السيد صادق الموسوي
340
تمام نهج البلاغة
وَتَفَرَّقَ عنَهُْ عدَدَهُُ ، وَقُسِمَ جمَعْهُُ ، وَذَهَبَ بصَرَهُُ وَسمَعْهُُ ، وَمُدِّدَ وَجُرِّدَ ، وَعُرِّيَ وَغُسِّلَ ، وَنُشِّفَ وَسُجِّيَ ، وَبُسِطَ لَهُ وَهُيِّءَ ، وَنُشِرَ عَلَيْهِ كفَنَهُُ ، وَشُدَّ مِنْهُ ذقَنَهُُ ، وَقُمِّصَ وَعُمِّمَ ، وَوُدِّعَ وَسُلِّمَ ، وَحُمِلَ فَوْقَ سَريرٍ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِتَكْبيرٍ ، بِغَيْرِ سُجُودٍ وَتَعْفيرٍ . وَنُقِلَ مِنْ دُورٍ مُزَخْرَفَةٍ ، وَقُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ ، وَحُجُرٍ مُنَجَّدَةٍ ، فَجُعِلَ في ضَريحٍ مَلْحُودٍ ، وَضَيِّقٍ مَوْصُودٍ ، بِلَبِنٍ مَنْضُودٍ ، مُسَقَّفٍ بِجُلْمُودٍ ، وَهيلَ عَلَيْهِ عفَرَهُُ ، وَحُثِيَ عَلَيْهِ مدَرَهُُ . فَتَحَقَّقَ حظَرَهُُ ، وَنُسِيَ خبَرَهُُ ، وَرَجَعَ عنَهُْ ولَيِهُُّ وَصفَيِهُُّ ، وَندَيمهُُ وَنسَيبهُُ ، وَتَبَدَّلَ بِهِ قرَينهُُ وَحبَيبهُُ . فَهُوَ حَشْوُ قَبْرٍ ، وَرَهينُ قَفْرٍ ، يَسْعى بجِسِمْهِِ دُودُ قبَرْهِِ ، وَيَسيلُ صدَيدهُُ عَلى صدَرْهِِ وَنحَرْهِِ . وَيَسْحَقُ ترُبْهُُ لحَمْهَُ ، وَيُنَشِّفُ دمَهَُ ، وَيَرُمُّ عظَمْهَُ ، حَتّى يَوْمِ حشَرْهِِ . فَيُنْشَرُ مِنْ قبَرْهِِ حينَ يُنْفَخُ في صُورٍ ، وَيُدْعى لِحَشْرٍ وَنُشُورٍ . فَثَمَّ بُعْثِرَتْ قُبُورٌ ، وَحُصِّلَتْ سَريرَةُ صُدُورٍ ، وَجيءَ بِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِدّيقٍ وَشَهيدٍ وَنَطيقٍ ، وَتَوَحَّدَ لِلْفَصْلِ رَبٌّ قَديرٌ ، بعِبَدْهِِ خَبيرٌ بَصيرٌ . فَكَمْ مِنْ زَفْرَةٍ تضُنْيهِ ، وَحَسْرَةٍ تنُضْيهِ ، في مَوْقِفٍ مَهُولٍ ، وَمَشْهَدٍ جَليلٍ ، بَيْنَ يَدَيْ مَلِكٍ عَظيمٍ ، وَبِكُلِّ صَغيرَةٍ وَكَبيرَةٍ عَليمٌ . فَحينَئِذٍ يلُجْمِهُُ عرَقَهُُ ، وَيحُصْرِهُُ قلَقَهُُ . عبَرْتَهُُ غَيْرُ مَرْحُومَةٍ ، وَصرَخْتَهُُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ ، وَحجُتَّهُُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ . زَلَّتْ جرَيدتَهُُ ، وَنُشِرَتْ صحَيفتَهُُ ، وَتَبَيَّنَتْ جرَيرتَهُُ ، حَيْثُ نَظَرَ في سُوءِ عمَلَهِِ ، وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ عيَنْهُُ بنِظَرَهِِ ، وَيدَهُُ ببِطَشْهِِ ، وَرجِلْهُُ بخِطَوْهِِ ، وَفرَجْهُُ بلِمَسْهِِ ، وَجلِدْهُُ بمِسَهِِّ ، وَنَطَقَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ بِسُوءِ عمَلَهِِ . وَيهُدَدِّهُُ مُنْكَرٌ وَنَكيرٌ ، وَكُشِفَ لَهُ عَنْ حَيْثُ يَصيرُ . فَسُلْسِلَ جيدهُُ ، وَغُلَّتْ يدَهُُ ، وَسيقَ وحَدْهَُ ، فَوَرَدَ جَهَنَّمَ بِكَرْبٍ وَشِدَّةٍ ، فَظَلَّ يُعَذَّبُ في جَحيمٍ ، وَيُسْقى شَرْبَةً مِنْ حَميمٍ ، تَشْوي وجَهْهَُ ، وَتَسْلَخُ جلِدْهَُ ، وَتضَرْبِهُُ زِبْنِيَةٌ بِمَقْمَعٍ مِنْ حَديدٍ ، وَيَعُودُ جلِدْهُُ بَعْدَ نضُجْهِِ كَجِلْدٍ جَديدٍ . يَسْتَغيثُ فَتُعْرِضُ عنَهُْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ ، وَيَسْتَصْرِخُ فَيَلْبَثُ حُقَبَةً يَنْدَمُ . نَعُوذُ بِرَبٍّ قَديرٍ ، مِنْ شَرِّ كُلِّ مَصيرٍ .